23 January 2018
English Arabic

الحشد الشعبي بعد داعش السيناريو المحتمل

Saturday, 30 December 2017 12:41


2017-12-29    


 
العراق شهد تأسيس ميليشيات متعددة منذ سقوط بغداد 2003 وكان أغلبها شيعيا استهدف إضعاف السنة وإقصاءهم من المشهد السياسي إلا أنه لا يمكن أن نتجاهل دور فتوى الجهاد الكفائي للسيستاني.
 
ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسامة الهتيمي


 
ربما لم يلتفت الكثيرون إلى أهمية التساؤل عن مستقبل ما يسمى بالحشد الشعبي العراقي خلال الفترة الماضية، خاصة وأن العراق كان لا يزال يشهد معارك ضارية في مواجهة تنظيم “داعش” كان آخرها معركة الموصل التي طالت لشهور، ومن ثم فقد كان يمثل هذا التساؤل لدى البعض سؤالا “استباقيا” يثير اللغط والشكوك حول نوايا أغلب من يطرحه، غير أن هذا التساؤل أصبح مشروعا ومهمّا لأقصى درجة بل وضروريا أيضا في المرحلة الحالية لسببين أساسيين: أولهما أن رئيس الحكومة حيدر العبادي أعلن بنفسه أنه تم القضاء على تنظيم “داعش”، وثانيهما أن شهورا قليلة هي المتبقية على إجراء الانتخابات النيابية المقررة في مايو 2018 والتي بكل تأكيد ستساهم نتائجها بشكل كبير في تحديد الكثير من ملامح مستقبل العراق في المرحلة المقبلة التي تغيرت فيها الخارطة السياسية في العراق بعد انهيار داعش وأزمة إقليم كردستان.
نهاية داعش
لا يمكن الفصل بين الحديث عن مستقبل ميلشيا الحشد الشعبي وبين إعلان القضاء على تنظيم “داعش” ذلك أن تأسيس هذه الميلشيا جاء بعد دعوة نوري المالكي في العام 2014 حيث كان وقتئذ رئيسا لوزراء العراق ثم فتوى المرجع الديني الأعلى الشيعي في العراق علي السيستاني الصادرة في الرابع عشر من يونيو عام 2014، والتي عرفت بـ “الجهاد الكفائي”، ودعا خلالها القادرين على حمل السلاح إلى التطوع للانخراط في صفوف القوات الأمنية ومقاتلة عناصر تنظيم “داعش” عقب سيطرته على الموصل ومساحات واسعة من محافظتي صلاح الدين وديالى.
يوم أن صدرت الفتوى في ظل هذه الحالة الأمنية المتردية والتي وصلت إلى حد أن سيطر تنظيم داعش على مساحات كبيرة في العراق قدّرها البعض بثلث المساحة الكلية للبلاد لم يكن ثمة وجاهة لدى أي طرف أو مكوّن في أن يبدي اعتراضا بشأن تأسيس هذه الميلشيا وإلا تعرض لاتهام مقابل بدعم وتأييد تنظيم “داعش”، وبالتالي فقد بدا أن هذه الميلشيا تم تأسيسها لدور وظيفي وبالتالي فإنه يفترض أن تنتهي بانتهاء هذا الدور ألا وهو محاربة “داعش” وتخليص الأراضي العراقية من سيطرته، وهو الأمر الذي تحقق بالفعل وفق ما أعلنه العبادي نفسه مؤخرا من أنه تم القضاء على “داعش” في العراق من الناحية العسكرية وأنه خلال المرحلة القصيرة المقبلة ستتم عمليات التطهير النهائية في صحراء الأنبار، وبعد إكمال عمليات التطهير ستعلن هزيمة “داعش” نهائياً في العراق، لكن ومع ذلك لم يحدث المفترض وهو الأمر الذي يثير التساؤل حول مصير هذه الميلشيا التي انتهى الهدف من تأسيسها!
هذا التساؤل لم تطرحه فقط المكونات السنية في العراق، بل طرحته أيضا مكونات شيعية وإن اختلفت دوافع السؤال لدى كل طرف من الأطراف، فالبعض تساءل حول هذا المصير خشية أن يتنامى دور هذه الميلشيات التي تورطت -ووفق الكثير من التقارير الصادرة عن هيئات ومؤسسات حقوقية في الداخل والخارج- في جرائم وانتهاكات يندى لها الجبين بحق أهل السنة في المناطق التي خاضت فيها حروبا ضد “داعش”، والبعض يطرحه من باب التخوف من أن يتم تحجيم دور هذه الميلشيا وحلّها استجابة للمطالبات الداخلية والإقليمية والدولية التي ما فتأت تحذر من خطورة هذه الميلشيا التي ترسخ للطائفية وتعاظم من دور إيران في العراق.
الانتخابات النيابية
أما الانتخابات النيابية العراقية المقبلة فهي كذلك واحدة من أهم الدوافع وراء طرح هذا التساؤل إذ أن استشراف مصير الحشد الشعبي ومستقبله مرهون أيضا بالتعرف على مجريات هذه الانتخابات، وما إذا كانت هذه الميلشيا ستنتقل إلى الخطوة اللاحقة وربما الأهم وهي الحضور السياسي، ومن ثم تصبح قوة سياسية لها جناحها العسكري، الأمر الذي يقترب بها من نموذج حزب الله اللبناني، الذي هو النموذج الأمثل الذي تسعى إيران إلى استنساخه في كل الدول التي امتد إليها نفوذها.
تأتي أهمية هذا الدافع في ظل الحديث المتصاعد هذه الأيام في العراق عن اعتزام العديد من الفصائل المكونة للحشد الشعبي من خوض تجربة الانتخابات النيابية رغم أن قانون الحشد الشعبي نفسه، والذي أقرّته الحكومة العراقية في 26- 11- 2016 فضلا عن الدستور العراقي يحظران على أية قوى عسكرية أن تخوض غمار العمل السياسي، بل إن قانون الانتخابات نفسه، والذي تم إقرار البرلمان له عام 2013 يشترط أيضا أن لا يكون المرشح من أفراد القوات المسلحة أو المؤسسات الأمنية عند ترشحه.
خرج الحديث من دور التكهن إلى دور الواقع الفعلي بعد أن أكدت تصريحات العديد من قيادات الحشد والفصائل المندرجة تحت لوائه هذه المشاركة، ومن ذلك ما قام به القيادي فيه والمتحدث السابق باسمه، أحمد الأسدي، من خلع بزته العسكرية وقراره بالمشاركة في الحياة السياسية، بل والإعلان عن إطلاق تحالفٍ انتخابي بمسمى «تحالف المجاهدين».
كذلك الإعلان المفاجئ للأمين العام لـ «منظمة بدر» هادي العامري، الذي أكّد خروجه من «ائتلاف دولة القانون» الذي يتزعمه نوري المالكي واعتزام خوض المنظمة للانتخابات المقبلة بعيدا عن الائتلاف وفق ما أكد النائب عن المنظمة حنين قدو، الأمر الذي يرجح أن تكون المنظمة على رأس «تحالف المجاهدين» المكوّن من ستة فصائل محتملة هي «منظمة بدر» و«عصائب أهل الحق» و«حركة النجباء» و«التيّار الرسالي» و«كتائب جند الإمام» و«كتائب حزب الله».
ويدعم ذلك أيضا ما أعلن عنه رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض نفسه عن تشكيل حزبه الجديد “عطاء” لدخول الانتخابات المقبلة، مؤكدا في الوقت ذاته أن حركته “ستكون ملتزمة بالدستور وتوصيات المرجعية الدينية”، وهو النهج الذي سارت عليه أيضا فصائل أخرى.
وسواء كانت استقالة الأسدي عن رغبة في الاستقالة أم أنها إقالة كما روّج لهذا الحشد الشعبي نفسه فإن الواقع ينطق بأن مشاركة الأسدي وعدد من فصائل الحشد في الانتخابات أمر مدبّر له إذ لو كان الأمر محصورا على الأسدي وفصيله لبدا الأمر وكأن الأسدي خضع لأطماع سياسية خاصة، أمَا وقد شملت الرغبة في المشاركة السياسية عددا من الفصائل فإن ذلك يكشف عن مخطط للسيطرة على الحياة السياسية بعد أن أصبح هناك قوة عسكرية تحمي هذه القوة السياسية وتضمن لها فرض السيطرة، ومن ثم فإن من السذاجة اعتبار ما يتم الإعلان عنه بين الحين والآخر عن استقالات أو إقالات جماعية داخل الحشد الشعبي.
فتوى السيستاني
رغم أن العراق شهد تأسيس ميليشيات عسكرية متعددة منذ سقوط بغداد عام 2003 والتي كان أغلبها شيعيا استهدف إضعاف السنة وإقصاءهم من المشهد السياسي إلا أنه لا يمكن أن نتجاهل دور فتوى الجهاد الكفائي للسيستاني، والتي جمعت أكثر من ستين فصيلا عسكريا لكي تشكل ما عرف بالحشد الشعبي لمقاتلة “داعش” حتى أن بعض التقديرات تتحدث عن أن عدد المقاتلين في الحشد تجاوز المائة وأربعين ألفا، أي أكثر من ضعف قوات البيشمركة الكردية ونحو نصف عدد القوات المسلحة العراقية بأكملها، وهي أرقام لها دلالات ستتكشف لنا فيما بعد.
وبعيدا عن الملابسات والظروف الغامضة التي دفعت الجيش العراقي النظامي للانسحاب من الموصل دون مبرر وتركها لقوات داعش، والتي كانت السبب وراء فتوى تأسيس الحشد إلا أن الأكثر أهمية هو أن هذه الميلشيا وبعد عامين تقريبا على تأسيسها يتم إقرار قانون – أيده 208 نائبا من بين 327 – بشأنها لتصبح ضمن القوات المسلحة العراقية وخاضعة لقرارات القائد الأعلى للقوات المسلحة فيخصص لأعضائها رواتب ولأسر قتلاها معاشات يقدر البعض قيمتها بأكثر من 60 مليون دولار، وهو ما يمنح هذه الميلشيات وضعا قانونيا يتجاوز فتوى السيستاني الخاصة بقتال تنظيم تم الإعلان عن القضاء عليه.
بالطبع لم يمرّ الربط بين فتوى السيستاني وتأسيس هذه الميلشيا على الكثير من المكونات والقوى السياسية العراقية ومن قبلها بعض القوى الدولية كالولايات المتحدة الأمريكية حيث اعتبرت أن الذي استطاع أن يجمع هؤلاء على أساس ديني هو من بيده أن يفرقهم، ما سلّط الأضواء على السيستاني، فسارع وبالتزامن مع الانتصار على “داعش” بالدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة فضلا عن الدعوة إلى عدم إشراك عناصر الحشد في الانتخابات، حفاظا على السلم المجتمعي كما أخبر بذلك عنه يان كوبيش، رئيس بعثة الأمم المتحدة في العراق، الذي التقاه نهاية شهر نوفمبر الماضي.
تم تصدير تصريحات السيستاني وكأنها موقف يراجع فيها فتواه السابقة من الدعوة إلى تأسيس ميليشيا الحشد، والتي لاقت استجابة سريعة من قبل الفصائل الشيعية، فيكون بذلك قد أسقط العبء عن كاهله وأخرج نفسه خارج دائرة اللغط والسجال الدائر حول مصير الحشد ودوره في المرحلة المقبلة.. غير أن الحقيقة هي أن دعوة السيستاني الجديدة لا يمكن اعتبارها بمستوى فتوى تأسيسه، ولهذا فهي لم تحظَ بالاهتمام ولم تجد الاستجابة السريعة أو القوية، إذ لو كان السيستاني، أو بالأحرى المرجعيات الدينية الشيعية في العراق، جادة بالفعل في حلّ هذه الميلشيا وعودة عناصرها إلى الفصيل الذي ينتمون إليه لتمّ إصدار فتوى صريحة وقوية بذلك، لكن هذا لم يحدث، وفي ظني أنه لن يحدث.
الموقف الحكومي
راهن البعض على أن هناك خلافا أو تخوفا من قبل حكومة حيدر العبادي من الحشد الشعبي كونه نما وترعرع على يد وعين نوري المالكي، ومن ثم فإن المالكي وفي إطار التنافس السياسي يمكن أن يستغل الحشد كأحد أهم الأدوات، غير أن هذا الرهان بجملته رهان خاسر، فالعبادي نفسه كان يسوّق للحشد الشعبي ويدافع عنه ويمنحه العديد من الامتيازات التي لم يكن ليحصل عليها إلا بدعم العبادي وأبرزها ضم الحشد لقوات الجيش، الأمر الذي منح الحشد شرعية قانونية ودعما ماليا.
ويكفي أن ننظر إلى التصريحات الأخيرة للعبادي بشأن الانتصار على “داعش” والتي تضمنت إعفاء كاملا لعناصر الحشد التي وجهت لها اتهامات بالتورط في بعض الجرائم الحقوقية إذ قال وبصراحة: “لا نسمح بتجريم كلّ من قاتل داعش الإرهابي”.
يضاف إلى ذلك فإن أية محاولات لإقناع العبادي بأن يشارك في الحد من جموح الحشد فضلا عن حله هي محاولات عبثية، فالتركيبة الفكرية السياسية للعبادي مبنيّة على خلفية شيعية تؤمن بوحدة المصير الشيعي وتعطي للمذهب أولوية على حساب المفاهيم السياسية الأخرى، خاصة وأن العبادي ينتمي إلى حزب الدعوة ذي العلاقة التاريخية الوطيدة مع إيران، والذي يعد أيضا أحد مكونات التحالف الوطني الشيعي الذي يضم الأحزاب التابعة لإيران، ومن ثم يستطيع بسهولة إقصاء العبادي عن منصبه وسحب ترشيحه له حال تجاوزه الخطوط الحمراء في التعامل مع إيران.
في ضوء ذلك فإنه ليس من المنتظر أن تكون هناك تحركات حكومية للحد من جموح رجالات وقيادات الحشد الشعبي ما يفتح أمامهم الباب على مصراعيه يفعلون ما يحلو لهم على المستوى العسكري حيث يدين العراق كله – وفق تصريحات القيادات العراقية – للحشد بأنه ساهم بشكل كبير في تخليصهم من “داعش” أو حتى على المستوى السياسي انطلاقا من أن العراق أو العراقيين لا يمكن لهم أن يتنكروا للحشد ولأبطاله.
مواقف الخارج
ولا يمكن أيضا عند الحديث عن مستقبل ومصير الحشد أن يتم تجاهل الموقف الإقليمي والدولي تجاهه كون تأسيسه وتحركاته أحدثت تماسا مع ملفات معقدة ومتشابكة لا تنحصر تفاعلاتها في الداخل العراقي فحسب خاصة وأنه ليس خافيا على أحد ما يتلقاه الحشد من دعم إيراني بما لذلك من تأثير كبير على أهداف هذا الحشد.
ويمكن أن نركز على عدة مواقف إقليمية ودولية ومنها:
الموقف الأمريكي
أكد الموقف الأمريكي من الحشد ما يراه البعض من أن واشنطن هي من منحت إيران كامل الفرصة لكي تعبث بالعراق وتفرض هيمنتها عليه، إذ وعلى الرغم من إدراكها وعلمها بأن إيران تسعى لكي توجد لنفسها سندا عسكريا عراقيا يدعم مواقفها ويخدم مصالحها فإنها لم تتخذ مواقف حاسمة لمنع ذلك بل إنها -بشكل أو بآخر- مهّدت الطريق، وساعدت على تحقيق الهدف الإيراني.
يبرز شاهدا على ذلك هذا التردد الأمريكي في الإعلان عن موقف محدد من الحشد، ففي حين يمكن رصد بعض التصريحات والمواقف التي تعكس رفضا أمريكا للحشد ولممارساته والتخوف من أن يجذر للأزمة في العراق نجد في مقابل ذلك مواقف وتصريحات أخرى تمتدح الحشد ورجالاته بل وأن يصبح جزءا فاعلا في تنسيق أعلى بدعوى محاربة الإرهاب.
ومن ذلك على سبيل المثال أنه وفي نهاية عام 2016 أعلنت أنها لن تدعم قوات الحشد في عمليات تحرير مدينة الموصل فيما أن نائب وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” قد قام وفي وقت متأخر من ليل 13/9/2016 بزيارة إلى العراق للقاء مسئولي بغداد وإقليم كردستان قبيل انطلاق عمليات استعادة الموصل لبحث تحجيم دور الحشد في العملية العسكرية.
وانسحب الموقف الأمريكي الرافض للحشد إلى وصف أحد أهم قياداته ونائب رئيسه، أبو مهدي المهندس، بأنه إرهابي، كما جاء على لسان الناطقة باسم الخارجية الأمريكية هيذر ناورت، والتي لفتت إلى أنه تم إدراجه على قوائم الإرهاب من قبل الولايات المتحدة عام 2009.
كذلك فقد تناقلت العديد من التقارير أن واشنطن تحدثت في حوارها مع العبادي خلال زيارته لها في مارس 2017 بشأن حلفاء إيران من المؤمنين بولاية الفقيه داخل الحشد حيث طالبت أمريكا بإبعاد هؤلاء وتسليم أسلحتهم الثقيلة وعدم بقائهم في منظومة الأمن العراقية.
لكن في مقابل ذلك ترصد لنا التقارير قيام القنصل الأمريكي في العراق بزيارة رسمية يوم 12 مارس 2016 م لجرحى الحشد بمستشفى الصدر التعليمي بالبصرة حيث قال القنصل، وباللغة العربية، إن: “الولايات المتحدة تعترف بالمساهمة المهمة التي يقدمها الحشد تحت قيادة رئيس الوزراء وأغلب الحشد جاء من الجنوب، ولهذا أود أن أبعث تعازيّ لكل أهل البصرة والجنوب الذين فقدوا أحباءهم أو أصدقاءهم في الحرب ضد داعش”.
كما قام القنصل بتسليم هدايا للجرحى، مشيرا قبل مغادرته بأن الحكومة الأمريكية لا تضع أي فيتو على مشاركة الحشد بتحرير الموصل من داعش، وأن الأمر متروك للحكومة العراقيّة.
ويدعم هذا الموقف أن الفريق الأمريكي ستيفان تاوزند، قائد قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب- قال في 26 ديسمبر 2016 م إن قوات الحشد حلفاء “منضبطون بشكل ملحوظ”.
إن هذه التصريحات لا تحتاج إلى إيضاح، فهي تكشف عن موقف مزدوج لدى الإدارة الأمريكية ليس من المنطقي أن يقال بعفويته وإنما هو يعكس حقيقة السياسات الأمريكية التي تحاول الاستفادة من كل شيء لتحقيق أهداف عليا لديها ومن ثم لا يمكن على الإطلاق التعويل على الموقف الأمريكي الذي هو مصلحي بالدرجة الأولى.
الموقف التركي
إلى حد كبير يتشابه الموقف التركي مع الموقف الأمريكي من ناحية التردد، لكن وللموضوعية يمكننا القول بأن التردد في الموقف التركي كان اضطراريا، ونتيجة لتطورات أزمة إقليم كردستان.
بدا هذا التردد التركي في تناقض التصريحات المتشددة إزاء الحشد مع الموقف الصامت فيما بعد إذ نجد مثلا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد وصف -في مقابلة مع قناة الجزيرة- الحشد الشعبي بـأنه تنظيم إرهابي، واتهم إيران بالوقوف وراءه محذرا من سياساتها “التي أصبحت تؤلم في العراق”.
بل وفي شهر يونيو من 2017 جددت تركيا موقفها الرافض لمشاركة الحشد في معركة تلعفر بالموصل، وهو الرفض الذي سبقه إنذار جاء على لسان أردوغان أيضا في أكتوبر 2016 حيث حذر من القيام بأي تجاوزات بحق تركمان بلدة تلعفر، مؤكد أن الرد التركي سيكون “مختلفا” في مدينة تلعفر “التركمانية” والمهمة لتركيا.
هذه التصريحات التركية كان يمكن الاعتداد بها لولا أن تحولا كبيرا انتاب هذا الموقف بعد اندلاع أزمة إقليم كردستان وحدوث تقارب تركي – إيراني عكسته زيارات متبادلة بين قيادات البلدين أبرزها زيارة أردوغان إلى طهران في بداية أكتوبر 2017.
الموقف السعودي
يعد الموقف السعودي من الحشد الشعبي الأكثر ثباتا من بين كل المواقف الإقليمية والدولية لأن المملكة تدرك جيدا أن هذه الميلشيا هي واحدة من أهم خطوات إيران لاستنساخ تجربة حزب الله اللبناني، ليصبح الحشد وبعد سنوات دولة داخل الدولة فتضمن بذلك إيران السيطرة ولأمد بعيد على العراق ومقدراته في إطار الهدف الإيراني الكبير.
وبرز الموقف السعودي من الحشد في تصريحات على لسان وزير خارجيّتها عادل الجبير الذي قال في يوليو 2016: “إنّ الحشد الشعبيّ طائفيّ ولا بدّ من تفكيكه لأنّه يؤجّج التوتّر الطائفيّ”.
وإلى قريب من هذا ذهبت دولة الإمارات العربيّة المتّحدة الّتي عدّت بعض فصائل الحشد الشعبي “جماعات إرهابيّة” وذلك في عام 2014.
الرد العراقي
على أي حال لم تقف الحكومة العراقية صامتة تجاه هذه التصريحات والمواقف الدولية والإقليمية من الحشد فقد دافعت عنه باستماتة، الأمر الذي يؤكد أن الحشد ليس مجرد جماعة وظيفية تقوم بدور وينتهي.
ففي تعليق لرئاسة الوزراء العراقية ووزارة الخارجية الإيرانية في 23 أكتوبر 2017 على تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون حول الحشد أعرب العبادي عن استغرابه من تصريحات تيلرسون قائلا: إن الحشد الشعبي قوات وطنية ولا يحق لأي جهة التدخل في شؤوننا.
بل إن إيران لم تتردد في أن تدافع هي الأخرى عن الحشد إذ انتقد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف تصريحات تيلرسون قائلا إنها متأثرة بالسعودية، الخصم الإقليمي لإيران.
كذلك وردا على الموقف السعودي استدعت وزارة الخارجية العراقية في شهر يناير 2016 السفير السعودي لدى بغداد، ثامر السبهان، احتجاجا على تصريحات قال فيها: إن قوات الحشد الشعبي التي تقاتل داعش، لا تلقى قبولا لدى الأكراد وأبناء السنة في البلاد، داعيا إياها إلى ترك جبهات القتال للجيش العراقي.
أشياء أخرى
أيضا هناك حزمة من المسائل التي يجب النظر إليها عند استشراف مستقبل الحشد الشعبي منها:
دوافع البقاء
وفق الكثير من التصريحات التي أدلى بها قيادات للحشد يمكن قراءة ما يعتزمه هؤلاء بشأن المستقبل إذ أشاروا إلى أن الهدف من الحشد يتجاوز ما كان قد تم الإعلان عنه في البداية وهو مقاتلة تنظيم “داعش”، خاصة وقد حصل على شرعية، مثله مثل جهاز مكافحة الإرهاب وبقية الأجهزة الأمنية.
ومن ذلك ما صرح به القيادي في جماعة “جند الإمام” المنضوية بالحشد، مصطفى الياسري، حيث قال: “أرى أن الحشد الشعبي سيبقى طالما أن الفساد مستشرٍ في العراق ودول الجوار”. ومضيفاً أن “الحشد الشعبي هو أداة لدى السلطة الدينية والتشريعية والحكومة العراقية وسيف مشرع للتصدي لأي محاولة للفساد”.
وربما حسم أحمد الأسدي الأمر بتصريحه لـ “المونيتور” حيث قال: “إنّ الحشد الشعبيّ سوف يتحوّل إلى قوّة حكوميّة مستقلّة عن سيطرة الأحزاب السياسيّة عبر الارتباط المباشر بالقائد العام للقوّات المسلّحة حيدر العبادي”.
وفي تصريح آخر لموقع عربي 21 لم ينف طموح الحشد السياسي حيث قال :”إن الحشد لم ينف نيته استلام جزء من السلطة في العملية السياسيّة لا سيما بعد تهالك مشروعية الأحزاب والقوى الحاكمة بعد عام 2003 بسبب الفساد والفشل الحكومي وزيادة غضب الشارع.
أشار الأسدي إلى أن الحشد ليس بالقوة العسكرية التي تقاتل وتتراجع إلى الثكنات فهو مشروع استراتيجي ويعمل على استقرار العراق وتحريره من الإرهاب الفكري والمسلح، وبالنسبة لمستقبله فالعراق وحده من يحدده، لذا فإن العمل العسكري للحشد لا يمنع الطموح في السياسة.
ازدواجية الولاء
يتحسب الكثير من المراقبين للشأن العراقي، حتى من بين الشيعة أنفسهم، إلى أن قيام الحشد الشعبي بلعب دور عسكري ثم سياسي سيفجر أزمة كبيرة في الداخل العراقي، وهو ما يدفعهم إلى إبداء بعض الامتعاض ذلك أنهم يرون أنه ومع ضم هذه الميلشيات إلى القوات المسلحة لكن هذا لن يعدم ولاء عناصر هذه الميلشيات إلى الفصائل التي كانت ضمنها.
تعكس تصريحات الناشط السياسيّ هادي والي الظالمي لـ “المونيتور” مثل هذا التخوف حيث قال: “سوف يبقى ولاء الفصائل المسلّحة محصوراً بزعامات الأحزاب والجماعات والمناطق وإنّ إطلاق تسمية الحشد على هؤلاء المقاتلين لن يغيّر من الحقيقة إذ تبقى إيديولوجيّتها في الولاء للزعامة الدينيّة أو السياسيّة الّتي تمثّلها وتوفّر الدعم لها”.
إشكاليات وتحديات
كذلك فإن هناك تحديات تتعلق بحالة الرفض من قبل بعض المكونات السنية والشيعية لهذه الرغبة في اتساع دور الحشد الشعبي التي تردد أنها لن تنحصر فقط في المشاركة بالانتخابات وإنما ربما المشاركة في تشكيل الحكومة عبر إسناد بعض الحقائب الوزارية لشخصيات محسوبة عليه وهو ما دفع تحالف القوى السنية والتحالف الكردستاني الكردي إلى أن يعربوا عن تخوفهم من تحكم الحشد في السلطة، وبالتالي يستخدم لتكريس هيمنة الشيعة على المشهد العراقي.
أما الخلاف داخل البيت الشيعي حول الحشد فيبرز بين اتجاهين أحدهما يتزعمه نوري المالكي والآخر مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، الذي يرى في الحشد سلاحا بيد خصمه وغريمه اللدود المالكي وأداة لمواصلة تهميش الصدريين ومنعهم من الارتقاء إلى مناصب قيادية في السلطة، إذ من المعلوم أن المالكي يرتبط بتحالفات وثيقة مع كبار قادة الحشد، وفي مقدّمتهم هادي العامري، زعيم منظمة بدر، إضافة إلى زعماء فصائل معروفة بعدائها للصدر مثل عصائب أهل الحقّ وحزب الله- العراق.
فيما يرى بعض المحللين احتمالية أن يكون صراع ما بعد التخلص من “داعش” بين الحشد وقوات أمنية أخرى كجهاز مكافحة الإرهاب، خاصة وأن الحشد مدعوم من إيران، فيما جهاز مكافحة الإرهاب مدعوم من أمريكا.
السيناريو المحتمل
ترتيبا على ما سبق وفي ضوء المقدمات التي سقناها فإنه لا يمكن الجدال حول أن الظروف أصبحت مواتية بشكل كبير لكي ينتقل الحشد الشعبي لخطوة أخرى لتحقيق الخطة الإيرانية لكي يصبح نسخة جديدة لحزب الله اللبناني ليكون القوة السياسية الأولى في العراق تدعمها قوة عسكرية تصبح يوما بعد يوم هي الأقوى سواء كان ذلك عبر تنامي بنائه الذاتي أو عبر السيطرة على الجيش العراقي.
إن الحشد ومن خلفه يراهنون على اكتساب المزيد من الوقت والدخول في مناورات سياسية معقدة ومتشابكة مستغلين التطورات المتلاحقة في المنطقة برمّتها حتى يمكنهم الوصول إلى النقطة التي يصعب معها بدرجة كبيرة جدا مواجهة تنفيذ ما يراد للعراق من خضوعه للسيطرة الإيرانية عبر وكلائها الذين يقودون الحشد الشعبي.
أسامة الهيتمي
كاتب عراقي
http://www.middle-east-online.com/?id=263887

قناة التغيير تجري مقابلة مع ستروان ستيفنسون رئيس الجمعية الأوروبية لحرية العراق حول تواجد تنظيم داعش في الأراضي العراقية

 
مقابلة مع «ستروان ستيفنسون» رئيس الجمعية الأوروبية لحرية العراق ...

  للمزيد

إيران تتهم تركيا بتسهيل مرور الدواعش

إيران تتهم تركيا بتسهيل مرور الدواعش...

العراق: العثور على جوازات سفر مع قتلى داعش تحمل تأشيرات إيرانيةكشف مسؤول عسكري ع...

تعيين ايرج مسجدي، مجرم حرب، سفيرا لإيران في العراق

تعيين ايرج مسجدي، مجرم حرب، سفيرا لإيران...

بيان صحفي - للإعلان الفوري - 15 مارس 2017 تعيين ايرج مسجدي، مجرم حرب، سفيرا لإي...